الشيخ محمد هادي معرفة
427
تلخيص التمهيد
ويقولون . ولكن حاججهم بالسنَّة فإنَّهم لن يجدوا عنها محيصاً « 1 » . انظر إلى هذه الآية الكريمة : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » « 2 » . ربّما لم تكن العرب تخطر ببالها إرادة الرؤية بالعين ، كما قال الزمخشري : سمعت مستجدية بمكَّة - بعدما أغلق الناس أبوابهم من حرّ الظهيرة - تقول : عُيينتي نويظرة إلى اللَّه وإليكم « 3 » . ولم يختلج ببال أحد أنّها تقصد النظر بالتحديق إلى اللَّه سبحانه ، وإنَّما كان قصدها الانقطاع إليه وتوقّع فضله ورحمته تعالى . وهكذا في الآية الكريمة نظراً إلى موقعية الحصر فيها . لكنَّ الأشاعرة وأذنابهم من مشبِّهة ومجسِّمة جمدوا على ظاهر الآية البدائي وأصرّوا على أنّه النظر إليه تعالى بهاتين العينين اللتين في الوجه « 4 » . وهكذا لمّا سمعت العرب قوله تعالى : « ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ » « 5 » ربَّما لم تفهم منه سوى استقلاله تعالى بملكوت السماوات والأرض وتدبيره لشؤون هذا العالم ، نظير قول شاعرهم : ثمّ استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق وقال آخر : فلمّا علونا واستوينا عليهم * تركناهم صرعى لنسر وكاسر لكنَّ الأشاعرة ومن ورائهم سائر أهل التشبيه أبَوا إلّاتفسيره بالاستقرار على العرش جلوساً متربِّعاً فوق السماوات العُلى ، وقد ينزل إلى السماء الدنيا ليطَّلع على شؤون خلقه فيغفر لهم ويجيب دعاءهم ، إذ لا يمكنه ذلك وهو متربِّع على كرسيِّه فوق السماوات « 6 » .
--> ( 1 ) نهج البلاغة : ج 2 ص 136 من الكتب والوصايا رقم 70 . ( 2 ) القيامة : 22 و 23 . ( 3 ) راجع الكشّاف : ذيل لآية 23 من سورة القيامة ، وأساس البلاغة : مادة « نظر » . ( 4 ) راجع الإبانة لأبي الحسن الأشعري : ص 11 طبعة حيدر آباد الدكن . ( 5 ) يونس : 3 . ( 6 ) راجع الإبانة : ص 35 فما بعد ، ورسالة الردّ على الجهمية للدارمي : ص 13 فما بعد .